الرئيسيةالقرآن الكـريمأخبار مصر اليوم(** ذاكـرة مصـر المعاصـرة **)س .و .جبحـثدخولالتسجيل

شاطر | 
 

 دكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
abn el ss3ed
عضـــو متميز
عضـــو متميز
avatar

عدد المساهمات : 198
تاريخ التسجيل : 27/02/2010
العمر : 41

مُساهمةموضوع: دكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية   الجمعة أبريل 09, 2010 4:48 am



لقد أردت أن أتبين منهج ذلك الرجل، حتى يكون نبراسا لمدرسة تنتمي إليه، بدأت في الظهور والتكون، وحتى نتبين شخص من الأشخاص، أو عالم من العلماء، يجب علينا أن نلقي شيئا من الضوء على خصائصه، وتكوينه العقلي، ولذلك فقد راقبته، وجلست إليه في دروسه، وقرأت كل ما كَتب أو كُتب عنه من الكتب والمقالات، وفي الإعلام المرئي والمسموع.

وكنت أتعرض إليه بالسؤال عما قد يكون قد أشكل علي أو خفي، ومن مجموع كل ذلك خرجت بصورة أردت أن أسجلها كتابة حتى تبقى لمن بعدنا.

خصائصه:
1- فوجدته أنه خرج من الحصر الزماني والمكاني، فهو قد درس العلوم الطبعية والرياضيات في المرحلة الثانوية حيث كان في القسم العلمي، ودرس الاقتصاد والإدارة والمحاسبة في جامعة عين شمس، ودرس الشريعة بعلومها المختلفة في الأزهر الشريف، ثم لم يقتصر على ذلك، بل إنه درس القانون في جامعة القاهرة، واطلع اطلاعا واسعا على العلوم الاجتماعية والإنسانية واهتم اهتماما واضحا بالفنون والآداب والتاريخ.

وجدت أن مكتبته قد حوت ما يربو على أربعين ألف عنوان في هذه العلوم، وفي غيرها، ووجدته إذا أراد أن يبحث شيئا تتبعه وجمع مادته، وقرأ كل ما يتعلق به، وكان شغوفا بالمعلومة البسيطة قبل الكبيرة، وبالغريبة قبل القريبة.

ولقد رأيت ذلك عندما اهتم بدراسة الدرهم والدينار، فجمع كل ما يتعلق بعلم النميات، وهو الاسم الذي لا يعرفه كثير من المثقفين ولم يسمعوا به من قبل، ووجدت في مكتبته أكثر من أربعين كتابا يتعلق بذلك العلم الذي يهتم أساسا بتاريخ النقود المعدنية، وأوزانها، وأنواعها، وما كتب عليها، وبرصدها في المتاحف العالمية.

ولقد كنت سمعت مرة قديما سائلا يسأل أحد كبار العلماء عن وزن الدرهم والدينار، فأحال الأمر إلى أن يسأل الصاغة وصُناعها، فوجدت الفرق بين ذلك الذي اهتم، وبين ذلك الذي لم يهتم، وأن هذا المهتم ينتمي إلى حضارة أخرى هي حضارة العلم، والعقل، وليس إلى حضارة الكسل؛ لأن الكسل أصلا ليس له حضارة.

وجدت عنده صفا طويلا من الكتب في علم الهيئة، وهو العلم الذي يهتم بجانب الفلك من الناحية الشرعية، في تحديد مواقيت الصلاة في أجزاء العالم المختلفة، وفي تحديد سمت القبلة واتجاهها، وفي تحديد هلال الأشهر العربية؛ لأنها تتعلق بالعبادات، كالصيام والحج.

وجدت عنده اهتماما بعلم التشريح، ولم أسمعه يتكلم في هذا الفن، فسألته: ولم تهتم بهذا؟ فقال: قرأت مقولة عند الإمام القرطبي في قوله تعالى: {وَالجُرُوحَ قِصَاص} فأردت أن أفهم معناها بدقة، ولم أفهم ما علاقة الإمام القرطبي بعلم التشريح، وما علاقة هذه الآية به، وذهبت إلى تفسير القرطبي في الآية 45 من المائدة، فوجدته يقول: «ولا قصاص في كل مخوف، ولا فيما لا يوصل إلى القصاص فيه إلا بأن يخطئ الضارب أو يزيد أو ينقص، ويقاض من جراح العمد إذا كان مما يمكن القوض منه، وهذا كله في العمد، فأما الخطأ فالدية».

فذلك الذي يحتاج إلى مراجعة علم التشريح من أجل أن يفهم بعمق ما الذي يجوز وما الذي لا يجوز في قضية القصاص، في تصنيف أنواع الجروح، يهتم بالفهم العميق، وبقضية التطبيق، ولا يردد ما يجده في كتب التراث دون فهم أو حفظ مجرد، إنها عقلية أخرى يبدو أنها لم تعد شائعة في عصرنا؛ ولذلك فإنه معدود من الغرباء الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم: «طُوْبَى لِلْغُرَبَاء».

ولقد أدركت كم يعاني مثل هذا الشخص مع مجموعة من المدَّعين الذين لا يقرأون، وليست عندهم شهوة المعرفة، ولا سعة الاطلاع، ولا اهتمام أصلا بالعلم الأكاديمي، يتناقلون الآراء الساذجة، ويضل بعضهم بعضا فيها- كم يعاني هذا الإنسان مع هذا الصنف الذي ليس من جنسه.
ولقد ورد في بعض التفاسير عند تفسير قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام بشأن الهدهد :{لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ} [النمل :21] أنه قال: أحبسه مع غير جنسه. وأورد القرطبي في تفسيره : وقيل : «تعذيبه أن يجعل مع أضداده».

ووجدته أيضا قد طاف العالم من واشنطن إلى طوكيو مرات كثيرة، فلم يكتفِ ببلده كما هو شأن كثير من العلماء، خصوصا علماء الشريعة الغراء في عصرنا هذا، وهذا السفر المتواصل أتاح له الالتقاء بأصناف البشر، والاطلاع على أحوال الناس، وعلى أحوال المسلمين، وعلى مشكلاتهم، ومكَّن له أن يتحاور مع الآخرين، وأن يفيد وأن يستفيد مما جعل له رؤية متميزة شاملة عالمية تشعر بها وهو يتحدث أو يكتب، دون تكلف ولا عناء، فهو حاضر للعصر، مدرك لمقتضياته.

2- وجدته أيضا يتميز بما يطلق عليه هو دائما عليه [العقلية الفارقة] وفي دروسه يذكر أنها عقلية السلف الصالح، وأنها العقلية العلمية التي تفرق بين الشيء وسببه، وبين الشيء ونتيجته، وبين الشيء وغيره، وبين الشيء وجزئه، يفرق بين الخبر والرأي، ويفرق بين القطعي والظني، وبين الكلي والجزئي، وبين العام والخاص، وبين المطلق والمقيد، وبين المجمل والمبين، وبين الراجح والمرجوح، وبين المسائل والمناهج، ويؤكد عليها تأكيدا مكررا حتى يقول: يجب علينا أن نتمسك بمناهج السلف الصالح، وألا نقف على مسائلهم، ويشرح ذلك بتوسع ليبين لنا كيف نتصل بالسلف بمنهج علمي رصين، ونرفض مناهج الانتقائية والرفض العشوائي والقبول المطلق، يفرق دائما بين المصادر، وبين فهمها، بين ما يتعلق ويرتبط بالزمان، وبين ما يكون متجاوزا للجهات الأربعة التي حفظناها من كثرة تكرارها لها: (الزمان، والمكان، والأشخاص، والأحوال)، يفرق دائما بين المسائل والقضايا؛ لأنه يدعو إلى ترتيب الأولويات، وإلى عدم الانشغال بشيء ولو كان مهما مع ترك الأهم؛ لأن ذلك منهج أعوج على حد تعبيره، وكان يتعجب من شأن الصحافة التي تحول المسائل إلى قضايا من أجل دريهمات يريدون تحصيلها ومن أجل نظرية العقد ونظرية الاستهلاك كما شرحها لنا.

ويعرف العلاقات بين الأشياء من عموم وخصوص مطلق، أو عموم وخصوص وجهي، أو تباين، أو تطابق؛ بحيث إنه إذا تكلم تكلم عن إدراك ووعي، لا عن أوهام وتخليط، وكثيرا ما يتلو بيتَي السلم المنورق في المنطق للأخضري:

وَنِسْبَةُ الأَلْفاظِ لِلْمَعاني خَمْسَةُ أَقْسَامٍ بلا نُقْصـانِ
تَواطُؤٌ تَشَاكُكٌ تَخَالُفُ وَالاشْتِراكُ عَكْسُهُ التَّرادُفُ

وهذا أيضا قد سبب له مشكلة بعد أن راجعت كثيرا من المقالات التي هاجمته، فإنه يصدق عليها أنها كتبت دون أدنى اطلاع لا على مناهجه، ولا على مسائله مما يصور البون الشاسع بين ذلك الجبل الشامخ، وبين الذين يهرفون بما لا يعرفون، {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ} [الرعد:17].

3- ومما وجدته في هذا الرجل أنه لم يقتصر على جانب واحد من الجوانب التي بها العلم، فهو قارئ بالطراز الأول، ولكنه يكتب أيضا، فقد كتب الكتاب، والمقالة، والبحث العلمي، وشارك في أكثر من خمسين مؤتمرا علميا في العالم، وناقش أكثر من خمسين رسالة علمية في جامعات الدنيا، وشارك في تأسيس جامعات وكليات عربية وأجنبية، وجعلته جامعة هارفارد بأميركا، وأكسفورد ببريطانيا مشرفا وموجها لطلابها، واستعانت به جامعات العالم بماليزيا والأردن وفلسطين، ومصر- لترقية الأساتذة، واستعانت به المجلات العلمية في العالم في تحكيم أبحاثها.

كما أنه خطيب مفوه منذ نحو أربعين سنة، ومنذ أكثر من عشرين سنة وهو يؤدي دوره الإعلامي بالإذاعة والتليفزيون والصحافة بكل أنواعها، وفي كل مكان، بالعربية والإنجليزية، وشارك في إنشاء الموسوعات الضخمة، وقدم لكثير من الأبحاث والأعمال الجيدة، كما أنه أشرف على مشروعات علمية ضخمة، كمشروع الاقتصاد الإسلامي، والعلاقات الدولية في الإسلام، ومكنز الأوقاف، كما قام بتحقيق عدد كبير من الكتب في الحديث والفقه والتراث الإسلامي بمناحيه المختلفة، وأشرف على إصدار طبعة المكنز للكتب السبعة، ومشروع رعاية المخطوطات العربية بدار الكتب المصرية، وإحياء الفنون المملوكية، وتطوير الخط العربي الطباعي، وكلها أعمال بين أيدي الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

إن هذا التنوع لم يقتصر على القراءة والكتابة والبحث العلمي، بل امتد إلى التدريس، فتراه يبدأ الحوزة الأزهرية سنة 1998م في رواق الأتراك، ويذهب كل يوم ليدرس المنطق والأصول والسيرة والحديث، واللغة، والنحو، والتفسير، والفقه الشافعي، وقواعد الفقه بالأشباه والنظائر للسيوطي، وتخريج الفروع على الأصول في تمهيد الإسنوي، والتصوف الإسلامي في حكم ابن عطاء الله السكندري الذي أنهى شرحه مرتين، وفي منازل السائرين للهروي، وفي إحياء علوم الدين للغزالي.

فيقرأ كتب التراث ويربطها بقضايا العصر، ويهتم ببناء العقلية الناقدة العصرية التي تنظر في النصوص فتفهمها بقواعد ومناهج رصينة، وتنظر إلى الواقع تدركه، وتتربى عنده الملكة بكيفية الوصل بين هذا المطلق وذلك النسبي بما يحقق المقاصد العليا والمصالح المرعية الشرعية، لقد انبهرت حينئذ بهذه الحوزة، وبفكرة إحياء الأزهر القديم من رجل بهذا الوزن، وتذكرت ما قام به حسن العطار من جمع نجباء الطلبة حوله، ومن إرساله رفاعة الطهطاوي إلى فرنسا، وأمره أن يرسل إليه كل ما يلاحظه من أجل الدخول في عصر جديد شعر شيخ الإسلام العطار أننا يجب أن ندخل فيه بقوة لا محالة.

فأنشأت قصيدة أمدح بها هذا الشيخ الجليل قلت:

الحوزة العلوية الغراء
قُومُوا لِسَاحِ المجدِ يَوما كَي نَرى شيخًا جليلاً قد أنارَ الأزهرا
بالحوزةِ الغراءِ ينثُرُ دُرَّهُ وبساحةِ السلطانِ[1] زانَ المنبرا
قد كان نورُ العلمِ ينعِي الأزهرا لولا إمامٌ في العلومِ تَبَحَّــــرَا
هذي المآذنُ تستعيدُ شبابها قد لاحَ فجرٌ في سما الدنيا ســـرَى
تحتَ القِبابِ العامِراتِ توافدَتْ أجناسُ شتى الراغبينَ مِنَ الوَرَى
أقمارُ هذي يستنيرُ ضِياؤها من شمسِ مَنْ حازَ الجبينَ الأزهَرا[2]
يرقَى بهم نحوَ المعالي سُلَّمًا يُزجِي لهم دُرَرَ المعاني أبُحــرَا
فجِبالُ مَوْجٍ هائِجَاتٍ تنثني أعطافُها، والبَحْرُ هاجَ مُزمجــــرا
قد هابَهُ مَنْ رَامَ مَجْداً زائفًا قد خَاضَهُ منْ كَان يرجُو الكَوْثَرَا
من لازمَ الأشياخَ عُمرًا عامِرًا من رافق (الجاديَنِ) ثم (تَغَمَّرَا) [3]
حاز التبرك والتورك بعدما من مسند الدنيا (الفَدَان) تبحـرا
قد زاده نبلاً وفضلاً أنه من آلِ من بالحق جاء مبشــــــــــرًا
يا جامع النَّهْرَيْنِ قدْ أرْشَدْتنا لطريق من يُعطي الجزيلَ الأوْفَرا
فجزاك ربي رفقةً لنبيِّنا وحباكَ من يدِه الشريفةِ عنبـــــــــــرا
إن المعالي تنتقي أبناءَها إن المفاخرَ تحتفي أن تُذْكَرا
في مدحِ مَنْ للنَّاسِ قَامَ مُرَبِّيا في حقِّ مَنْ للعِلْمِ كانَ مُفَسِّراً
بارِك إلهي عُمْرَهُ واجْعَلْ لَهُ في رَحْبِ فِرْدَوسِ الجِنَانِ الأنْهُرَا
إنَّ المديح جزاؤه في شرعِنا حثوُ الثَّرى قَد قَاله خَيرُ الوَرَى
يا سيدي إن الثَّرى لو أنَّ طيـ بَك مسَّهُ سيصيرُ مِسْكًا أذْفَرَا

4- إنه إذن مدرسة أثَّرت ومازالت تؤثر، وسوف يكون لها تأثير في القرن القادم كله، فلابد علينا من أن نتلمس ملامح هذه المدرسة، وأن نتلمس قواعدها ومناهجها حتى نكون على بينة من أمرنا، وحتى يساعد ذلك من أراد أن ينتمي إليها، وأن يقدم للإسلام والمسلمين خيرا في قابل الأيام، وفي الوقت نفيه نقطع بها ألسنة حدادا، أو نتركها في جهالتها وجهلها فإن الأمر جد لا هزل فيه

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
دكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
أهلا وسهلا بكم في منتديات تيام :: الـمـــنتدى الــعـــــام :: عباقـــرة مــصــر-
انتقل الى: